bawabtech
bawabtech بوابتك إلى عالم التقنية والمعرفة
علوم 5 دقائق للقراءة

نذير قبل الانفجار: تقنية جديدة تتنبأ بثورات البراكين بدقة مذهلة

اكتشاف تقنية جديدة تسمى الجيرك (Jerk) تتيح للعلماء التنبؤ بثورات البراكين قبل وقوعها بساعات عبر رصد حركات الأرض الدقيقة، مما قد ينقذ آلاف الأرواح.

نذير قبل الانفجار: تقنية جديدة تتنبأ بثورات البراكين بدقة مذهلة

لطالما كانت البراكين أحد أكثر ألغاز الطبيعة غموضاً وأكثرها تدميراً، حيث تقف المجتمعات البشرية عاجزة أمام غضب الأرض المفاجئ. اليوم، تلوح في الأفق بارقة أمل بفضل ابتكار علمي جديد يغير قواعد اللعبة في مجال التنبؤ بالنشاط البركاني. هذه التقنية، التي يطلق عليها العلماء اسم “الجيرك” (Jerk)، تعد قفزة نوعية في دقة رصد الإشارات الدقيقة التي تسبق الانفجارات العنيفة، مما يمنحنا وقتاً ثميناً لاتخاذ إجراءات السلامة الضرورية.

ما هو “الجيرك” وكيف يعمل؟

تعتمد هذه التقنية المبتكرة على استخدام جهاز قياس زلازل واسع النطاق (broadband seismometer) واحد فقط، وهو جهاز حساس للغاية قادر على التقاط اهتزازات لا تشعر بها الكائنات الحية. تكمن فكرة “الجيرك” في مراقبة التغيرات المفاجئة في تسارع حركة الأرض الناتجة عن تدفق الصهارة أو الماغما (magma) تحت السطح. بدلاً من البحث عن الزلازل الكبيرة التي قد تسبق الانفجار مباشرة، يرصد هذا النظام حركات دقيقة للغاية وغير مرئية، تعمل بمثابة نبضات قلب مسبقة تعلن عن اقتراب الثوران قبل وقوعه بفترة كافية.

اختبارات ميدانية أثبتت نجاحها

لم تكن هذه التقنية مجرد نظرية على الورق، بل خضعت لاختبارات قاسية ومستمرة لأكثر من عقد من الزمن في بركان “بيتون دي لا فورنيز” الواقع في جزيرة ريونيون. خلال الفترة ما بين عامي 2014 و2023، أثبت النظام كفاءة استثنائية، حيث نجح في التنبؤ بنسبة 92% من الانفجارات البركانية التي شهدها الموقع. هذه النسبة المرتفعة لم تكن مجرد صدفة، بل كانت نتيجة لقدرة النظام على قراءة الإشارات الأرضية التي تسبق الانفجار بساعات طويلة، وصلت في بعض الحالات إلى ثماني ساعات كاملة من التحذير المسبق.

أهمية التنبؤ المبكر في حماية الأرواح

إن الفرق بين ثماني ساعات من التحذير وبين الانفجار المفاجئ هو فرق بين الحياة والموت. في المناطق المحيطة بالبراكين النشطة، يعتمد نجاح عمليات الإجلاء على الوقت المتاح للسلطات المحلية لتنظيم حركة السكان. بفضل تقنية “الجيرك”، يمكن الآن توفير نافذة زمنية كافية لإخلاء المناطق الخطرة، وتأمين البنية التحتية الحساسة، وتقليل الخسائر البشرية والمادية إلى أدنى المستويات الممكنة، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان التي تقع بالقرب من فوهات البراكين.

لماذا يغير هذا الاكتشاف مستقبل علوم الأرض؟

في السابق، كانت جهود التنبؤ تعتمد على شبكات معقدة ومكلفة من أجهزة الاستشعار المتعددة، وهو ما كان يمثل تحدياً لوجستياً ومالياً كبيراً، خاصة في الدول النامية التي تحتوي على براكين نشطة. القدرة على تحقيق نتائج دقيقة باستخدام جهاز واحد فقط تجعل هذه التقنية متاحة للتطبيق على نطاق واسع في مختلف أنحاء العالم. هذا التحول نحو البساطة التقنية مع زيادة الدقة يمثل جوهر التطور العلمي الذي نحتاجه في التعامل مع الكوارث الطبيعية.

سياق الاكتشاف وتطلعات المستقبل

يأتي هذا الإنجاز في وقت يزداد فيه اهتمام العلماء بفهم العمليات الجيولوجية العميقة التي تسبق الكوارث. مع التغيرات المناخية والنشاط الجيولوجي المستمر، تصبح أدوات التنبؤ الدقيقة ضرورة حتمية وليست رفاهية علمية. إن دمج هذه التقنية في أنظمة الإنذار المبكر العالمية قد يكون الخطوة الفاصلة بين التعامل مع البراكين ككوارث حتمية، وبين السيطرة عليها كظواهر طبيعية يمكن التنبؤ بها وتفادي مخاطرها.

في عالم لا يتوقف عن الحركة والتحول، هل نحن بصدد الوصول إلى اليوم الذي نتمكن فيه من إخماد غضب الأرض قبل أن يبدأ، أم أننا سنكتفي دائماً بدور المتفرج الحذر الذي يراقب الإشارات في انتظار العاصفة؟

مقالات ذات صلة